الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

257

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

العرفية كما أشرنا إليه أو يقال إنه لما لم يكن مانع من التأخير نظرا إلى انتفاء العقوبة فيه جاز التحديد على الوجه المذكور وفيه تأمّل وقد حكي القول المذكور أيضا عن جماعة من الأشاعرة وبعض الحنفية وقوم من الشافعية ثم إن قضية القول المذكور صيرورة الفعل قضاء بالتأخير وقد حكاه في النهاية صريحا عن القائل بهذا القول والظاهر أنهم لا يقولون إذن بثبوت العقاب وإلا لم يكن فرق بين الوقت المفروض وغيره مع أن الظاهر قيام الإجماع من الكل على الفرق كما أنه قضية النص قوله ليكون نقلا فلا يسقط به الفرض حكاه في النهاية عن جماعة من الحنفية ونص في المختلف بأنه لا يعرف به قائلا من أصحابنا كما سيصرح به المصنف وعلى هذا القول يكون إسقاطه الفرض مراعى ببقائه على صفات التكليف في الآخر فلو لم يبق على صفات التكليف لم يتعلق الوجوب به أصلا حتى يسقط الفرض بما فعله في الأول قوله وإذا فعل في الأول وقع مراعى إلى آخره أورد عليه بأن ما يحكم به أولا من اختصاص الوجوب بالآخر لا يلائم وقوع الفعل في الأول مراعى إذ قضية ذلك وجوب الفعل الواقع أولا إذا استجمع في الآخر شرائط التكليف فلا يختص الوجوب بالآخر وقد يجاب عنه بوجوه الأول أن مراده باختصاص الوجوب بالآخر أن استحقاقه العقاب بالترك أنما هو بالنسبة إلى الآخر لوضوح عدم ترتب العقاب على مجرد الترك في الأول والوسط ويوهنه أن ذلك تعليل لاختصاص الوجوب بالآخر فهو إنما يوافق المذهب السابق من كون الفعل الواقع أولا نفلا يسقط به الفرض دون هذا القول فلا يتم به الجمع بين الحكمين المذكورين في كلامه ليندفع به التدافع الملحوظ في الإيراد ويمكن أن يقال إن المقصود في الجواب أن مطلق الوجوب لا يستلزم استحقاق العقاب بالترك مطلقا وأنما يتفرع استحقاق العقاب فعلا على ترك بعض أفراده فأراد باختصاص الوجوب بالآخر هو الوجوب الذي لم يتفرع عليه استحقاق العقاب بالترك مطلقا على ما هو الشائع في تفسيره ووجوبه في الأول مع استجماعه بشرائط التكليف في الآخر هو الوجوب على ما يقتضيه التحقيق في تفسيره ولا يخفى ما فيه من التعسف مضافا إلى فساده في نفسه فإن نسبة استحقاق العقاب إلى الترك في الأول والآخر على نحو واحد فإن الترك في الآخر مع الفعل في الأول لا يقضي باستحقاق العقاب كما أن الترك في الأول مع الفعل في الأخير لا يقتضيه ولو حصل الترك فيهما كان نسبة الذم واستحقاق العقاب إليهما على نحو سواء ثانيها أنه إنما يقول باختصاص الوجوب بالآخر مع عدم الإتيان به في الأول إذا بقي على صفة التكليف في الآخر وأنت خبير بوهنه أيضا إذ لا يستفاد ذلك من كلام القائل المذكور أصلا بل قضية كلامه كون إدراكه الوقت الآخر مجامعا لشرائط التكليف كاشفا عن وجوبه في الأول كيف ولولا ذلك لما كان الفعل الصادر منه حينئذ واجبا وقد نص على انكشاف وجوبه بإدراك آخر الوقت كذلك ومن البين أيضا أنه لا دخل لإتيان المكلف بالفعل وعدمه في وجوبه وعدمه ثالثها أنه لما كان البقاء إلى الآخر كاشفا عنده عن وجوبه في الأول عبر عن ذلك بكون الوجوب مختصا بالآخر تجوزا حيث إنه يحققه وهذا الوجه وإن كان بعيدا من ظاهر اللفظ إلا أنه لا مناص عن الحمل عليه في مقام الجمع هذا إذا صرح القائل المذكور باختصاص الوجوب بالآخر حسبما حكاه المصنف موافقا لما في الأحكام وأما ما ذكره العلامة في النهاية فهو خال عن ذلك قال عند ذكر قول الكرخي على ما هو المشهور إن الصلاة المفعولة في أول الوقت موقوفة فإن أدرك المصلي آخر الوقت وهو على صفة المكلفين كان ما فعله واجبا وإن لم يبق على صفات المكلفين كان نفلا وهذا كما ترى لا إشارة فيه إلى اختصاص الوجوب بالآخر وقد حكاه عنه كذلك في التهذيب ومنية اللبيب وغيرهما من غير إشارة إلى حكمه باختصاص الوجوب بالآخر بل جعلوه مقابلا للقول بالاختصاص بالآخر وعزى الغزالي في المستصفي القول به كذلك إلى قوم وكأن هناك اضطرابا في تعبيره وقد قضى باضطراب النقل عنه كما يستفاد من العدة عند نقل قوله حيث أسند إليه اختصاص الوجوب بالآخر وكون فعله نفلا في الأول قال وربما سماه موقوفا على أن يأتي عليه الوقت الآخر وهو على الصفة التي يجب عليه معها فعل الصلاة ويخرج الوقت فيحكم بالوجوب ومع تسميته نفلا يكون قد أجزأت عن الواجب وما حكاه عنه أخيرا هو القول الذي ذكره المصنف هناك ويمكن حمله على إرادة الأول فإنه لما كان مما يسقط به الفرض سماه واجبا نظرا إلى قيامه مقامه فيحصل بذلك الجمع بين كلاميه ولا يساعده حكاية المصنف إذ لا يصح حينئذ عده قولا آخر إلا أن يكون القول المنقول هنا لغيره وكيف كان فمع البناء على وقوع الفعل مراعى في الأول لا يكون القول المذكور إنكارا للواجب الموسع ضرورة كون الفعل حينئذ واجبا في تمام الوقت إذا أدرك آخر الوقت مستجمعا للشرائط وإلا لم يكن واجبا بالنسبة إليه وكان الحامل له على ذلك شبهة أخرى غير الشبهة المذكورة في الواجب الموسع وهي أنه لو خرج عن صفات المكلفين فجاءه بعد دخول الوقت لم يتحقق عصيان في شأنه فجاز له الترك لا إلى بدل وهو لا يجامع الوجوب وهذا بخلاف ما لو كان على صفات المكلفين في الآخر لعدم جواز تركه إذا في شيء من أجزاء الوقت مطلقا بل إنما يجوز ذلك إلى بدل وهو لا ينافي الوجوب وفيه أن اعتباره البقاء على صفات المكلفين في الآخر لعدم جواز تركه في شيء من أجزاء الوقت مطلقا بل إنما يجوز ذلك إلى بدل وإنما هو في غير من ظن الفوات قبل بلوغ الآخر وأما بالنسبة إليه فلا ريب في وجوب الفعل عنده عند ذلك هذا وقد حكي عنه قولان آخران أحدهما ما حكاه عنه أبو الحسين البصري وقال إنه أشبه من الحكاية الأولى وهو أنه إن أدرك المصلي آخر الوقت وهو على صفة المكلفين كان ما فعله مسقطا للفرض وهو بعينه القول المتقدم ويوافق ما حكاه الشيخ أولا وثانيهما ما حكاه عنه أبو بكر الرازي من أن الصلاة يتعين وجوبها بأحد الشيئين إما بأن يفعل أو بأن يتضيق وقتها ويشارك هذان الوجهان ما مر من الوجه المتقدم في كون إدراك آخر الوقت معتبرا في الجملة في وجوب الفعل وإن اختلف الحال فيه على حسب اختلافها قوله ففي الحقيقة يكون راجعا إلى الواجب المخير كلامه هذا كما سنشير إليه بعد ذلك يومي إلى كون الواجب الموسع من قبيل الواجب المخير غاية الأمر أن التخيير هناك بين الأفعال المختلفة بالحقيقة وهنا بين الأفعال المتفقة الحقيقة المختلفة بحسب الزمان كما سيصرح به فيكون المكلف مخيرا بين الإتيان بالفعل في أول الوقت ووسطه وآخره فيكون الأمر متعلقا بكل من تلك الأفعال أصالة على الوجه المذكور ففي أي جزء أتي الفعل فقد أتي الفعل بما يجب عليه بالأصالة كما أنه إذا أتي بأحد الأفعال الواجبة تخييرا كان إتيان